اقوال ابن حزم في المحلى بالاثار بخصوص الموسيقى والغناء والشطرنج
تم نقل هذه الفتوى من موقع اسلام ويب
1566 - مسألة : الشطرنج ، والمزامير ، والعيدان ، والمعازف ، والطنابير : حلال كله ، ومن كسر شيئا من ذلك ضمنه ، إلا أن يكون صورة مصورة فلا ضمان على كاسرها ; لما ذكرنا قبل ; لأنها مال من مال مالكها - وكذلك المغنيات وابتياعهن .
قال - تعالى - : { لكم ما في الأرض جميعا } ، وقال - تعالى - : { الله البيع } ، وقال - تعالى - : { فصل لكم ما حرم عليكم } ، ولم يأت نص بتحريم بيع شيء من ذلك ، ورأى حنيفة الضمان على كسر شيئا من ذلك .
واحتج المانعون بآثار لا تصح ، أو يصح بعضها ، ولا حجة لهم فيها ، وهي - : ما روينا من طريق داود الطيالسي أنا هشام عن بن أبي كثير عن أبي سلام عن عبد الله بن زيد بن الأزرق عن بن عامر الجهني قال " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { [ ص: 560 ] شيء يلهو به الرجل فباطل ، إلا رمي الرجل بقوسه ، أو تأديبه فرسه ، أو ملاعبته امرأته ، فإنهن من الحق } . عبد الله بن زيد بن الأزرق مجهول .
ومن طريق أبي شيبة عن بن يونس عن عبد الرحمن بن يزيد عن أنا أبو سلام الدمشقي عن خالد بن زيد الجهني قال لي بن عامر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { لهو المؤمن إلا ثلاث } ثم ذكره - خالد بن زيد مجهول .
ومن طريق أحمد بن شعيب أنا سعيد أنا ابن حفص أنا بن أعين عن خالد بن أبي يزيد حدثني عبد الرحيم عن الزهري عن بن أبي رباح رأيت بن عبد الله ، وجابر بن عبيد الأنصاريين يرميان فقال أحدهما للآخر " أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { شيء ليس من ذكر الله فهو لعب ، لا يكون أربعة : ملاعبة الرجل امرأته ، وتأديب الرجل فرسه ، ومشي الرجل بين الغرضين ، وتعليم الرجل السباحة } .
هذا حديث مغشوش مدلس دلسة سوء ; لأن الزهري المذكور فيه ليس هو ابن شهاب ، لكنه رجل زهري مجهول اسمه عبد الرحيم - : رويناه من طريق أحمد بن شعيب أنا محمد بن وهب الحراني عن بن سلمة الحراني عن أبي عبد الرحيم - هو خالد بن أبي يزيد - وهو خال محمد بن سلمة - عن عبد الرحيم الزهري عن : رأيت بن عبد الله ، وجابر بن عبيد الأنصاريين يرميان ، فقال أحدهما للآخر : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { شيء ليس فيه ذكر الله - تعالى - فهو لهو ولعب ، إلا أربعة : ملاعبة الرجل امرأته ، وتأديب الرجل فرسه ، ومشيه بين الغرضين ، وتعليم الرجل السباحة } فسقط هذا الخبر .
ورويناه أيضا : من طريق أحمد بن شعيب أنا إسحاق بن إبراهيم أنا محمد بن سلمة [ ص: 561 ] أنا أبو عبد الرحيم عن عبد الوهاب بن بخت عن بن أبي رباح رأيت بن عبد الله ، وجابر بن عبيد ، فذكره ، وفيه { شيء ليس من ذكر الله فهو لغو وسهو } عبد الوهاب بن بخت غير مشهور بالعدالة ، ثم ليس فيه إلا أنه سهو ولغو وليس فيه تحريم .
وروي من طريق بن محمد الدوري عن بن كثير العبدي أنا جعفر بن سليمان الضبعي عن سعيد بن أبي رزين عن أخيه عن بن أبي سليم عن عبد الرحمن بن سابط عن أم المؤمنين رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { الله حرم المغنية وبيعها وثمنها وتعليمها والاستماع إليها } .
فيه : ، وهو ضعيف ، وسعيد بن أبي رزين وهو مجهول لا يدرى من هو عن أخيه ، وما أدراك ما عن أخيه هو ما يعرف وقد سمي ، فكيف أخوه الذي لم يسم .
وحدثنا أحمد بن عمر بن أنس أنا أبو أحمد سهل بن محمد بن أحمد بن سهل المروزي أنا لاحق بن الحسين المقدسي - قدم مرو - أنا أبو المرجى ضرار بن علي بن عمير القاضي الجيلاني أنا أحمد بن سعيد بن عبد الله بن كثير الحمصي أنا فرج بن فضالة عن يحيى بن سعيد عن بن علي ابن الحنفية عن أبيه بن أبي طالب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { عملت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء - فذكر منهن واتخذوا القينات ، والمعزف فليتوقعوا عند ذلك ريحا حمراء ، ومسخا وخسفا } . لاحق بن الحسين ، وضرار بن علي ، والحمصي - مجهولون - . وفرج بن فضالة حمصي متروك ، تركه يحيى ، وعبد الرحمن .
ومن طريق بن أصبغ أنا إبراهيم بن إسحاق النيسابوري أنا أبو عبيدة بن الفضيل بن عياض أنا أبو سعيد مولى بني هاشم - هو عبد الرحمن بن عبد الله - أنا عبد الرحمن بن العلاء عن محمد بن المهاجر عن كيسان مولى معاوية أنا قال { رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تسع وأنا أنهاكم عنهن الآن - فذكر فيهن - : الغناء ، والنوح } . [ ص: 562 ] محمد بن المهاجر ضعيف ، وكيسان مجهول .
ومن طريق أبي داود أنا بن إبراهيم أنا بن مسكين عن شيخ أنه سمع أبا وائل يقول : سمعت مسعود يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { الغناء ينبت النفاق في القلب } عن شيخ عجب جدا .
ومن طريق محمد بن أحمد بن الجهم أنا بن عبدوس أنا أبي شيبة أنا بن الحباب عن بن صالح أنا حاتم بن حريث عن مالك بن أبي مريم حدثني الرحمن بن غنم حدثني أبو مالك الأشعري أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : { ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها يضرب على رءوسهم بالمعازف والقينات يخسف الله بهم الأرض } . بن صالح ضعيف ، وليس فيه : أن الوعيد المذكور إنما هو على المعازف ، كما أنه ليس على اتخاذ القينات - والظاهر أنه على استحلالهم الخمر بغير اسمها ، والديانة لا تؤخذ بالظن .
حدثنا أحمد بن إسماعيل الحضرمي القاضي أنا محمد بن أحمد بن الخلاص أنا بن القاسم بن شعبان المصري حدثني إبراهيم بن عثمان بن سعيد أنا أحمد بن الغمر بن أبي حماد بحمص ، بن عبد الصمد أنا عبيد بن هشام الحلبي - هو ابن نعيم - أنا الله بن المبارك عن بن أنس عن بن المنكدر عن بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { جلس إلى قينة فسمع منها صب الله في أذنيه الآنك يوم القيامة } .
هذا حديث موضوع مركب ، فضيحة ما عرف قط من طريق ، ولا من رواية ابن المنكدر ، ولا من حديث ، ولا من جهة المبارك وكل من دون المبارك إلى شعبان مجهولون . [ ص: 563 ] شعبان في المالكيين نظير عبد الباقي بن قانع في الحنفيين ، قد تأملنا حديثهما فوجدنا فيه البلاء البين ، والكذب البحت ، والوضع اللائح ، وعظيم الفضائح ، فإما تغير ذكرهما ، أو اختلطت كتبهما ، وإما تعمدا الرواية عن كل من لا خير فيه من كذاب ، ومغفل يقبل التلقين .
وأما الثالثة - وهو ثالثة الأثافي : أن يكون البلاء من قبلهما - ونسأل الله العافية ، والصدق ، وصواب الاختيار .
ومن طريق شعبان قال : روى هاشم بن ناصح عن عمر بن موسى عن مكحول عن قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { من مات وعنده جارية مغنية فلا تصلوا عليه } . هاشم ، : مجهولان ، ومكحول لم يلق ، وحديث لا ندري له طريقا ، إنما ذكروه هكذا مطلقا ، { الله - تعالى - نهى عن صوتين ملعونين : صوت نائحة ، وصوت مغنية } وهذا لا شيء .
ومن طريق بن منصور أنا بن عياش عن مطرح بن يزيد أنا عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { يحل بيع المغنيات ولا شراؤهن وثمنهن حرام وقد نزل تصديق ذلك في كتاب الله : { الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم } الآية ، والذي نفسي بيده ما رفع رجل قط عقيرة صوته بغناء إلا ارتدفه شيطانان يضربانه على صدره وظهره حتى يسكت } . ضعيف ، ومطرح مجهول ، وعبيد الله بن زحر ضعيف ، والقاسم ضعيف ، وعلي بن يزيد دمشقي مطرح متروك الحديث .
ومن طريق عبد الملك بن حبيب الأندلسي عن عبد العزيز الأويسي عن بن عياش [ ص: 564 ] عن علي بن يزيد عن بن عبد الرحمن عن أمامة الباهلي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { يحل تعليم المغنيات ، ولا شراؤهن ، ولا بيعهن ، ولا اتخاذهن ، وثمنهن حرام وقد أنزل الله ذلك في كتابه : { الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم } والذي نفسي بيده ما رفع رجل عقيرته بالغناء إلا ارتدفه شيطانان يضربان بأرجلهما صدره وظهره حتى يسكت } .
ومن طريق ابن حبيب أيضا : أنا ابن معبد عن بن أعين عن القاسم عن عبد الرحمن عن أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { الله حرم تعليم المغنيات وشراءهن ، وبيعهن ، وأكل أثمانهن } .
أما الأول : فعبد الملك هالك ، بن عياش ضعيف ، وعلي بن يزيد ضعيف متروك الحديث ، بن عبد الرحمن ضعيف .
والثاني : عن عبد الملك ، والقاسم أيضا ، بن أعين ضعيف .
ومن طريق الملك بن حبيب عن عبد العزيز الأويسي عن الله بن عمر قال : { قال رجل يا رسول الله لي إبل ، أفأحدو فيها ؟ قال : نعم ، قال : أفأغني فيها ؟ قال : اعلم أن المغني أذناه بيد شيطان يرغمه حتى يسكت } .
هذا عبد الملك ، والعمري الصغير - وهو ضعيف .
ومن طريق بن منصور أنا أبو داود - هو سليم بن سالم بصري - أنا حسان بن أبي سنان عن رجل عن هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { قوم من أمتي في آخر الزمان قردة وخنازير قالوا : يا رسول الله يشهدون أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله ؟ قال : نعم ، ويصلون ، ويصومون ، ويحجون قالوا : فما بالهم يا رسول الله ؟ قال : اتخذوا المعازف والقينات ، والدفوف ، ويشربون هذه الأشربة ، فباتوا على لهوهم ، وشرابهم ، فأصبحوا قردة وخنازير } .
هذا عن رجل لم يسم ، ولم يدر من هو ؟ [ ص: 565 ] ومن طريق بن منصور أيضا : أنا الحارث بن نبهان أنا فرقد السبخي عن عاصم بن عمرو عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { طائفة من أمتي على لهو ولعب ، وأكل وشرب ، فيصبحوا قردة وخنازير ، يكون فيها خسف ، وقذف ، ويبعث على حي من أحيائهم ريح فتنسفهم ، كما نسفت من كان قبلهم باستحلالهم الحرام ، ولبسهم الحرير ، وضربهم الدفوف ، واتخاذهم القيان } . والحارث بن نبهان لا يكتب حديثه ، وفرقد السبخي ضعيف ، نعم : وسليم بن سالم ، وحسان بن أبي سنان ، وعاصم بن عمرو : لا أعرفهم - فسقط هذان الخبران بيقين .
ومن طريق بن منصور أنا فرج بن فضالة عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { الله بعثني رحمة للعالمين ، وأمرني بمحو المعازف ، والمزامير ، والأوثان ، والصلب : لا يحل بيعهن ، ولا شراؤهن ، ولا تعليمهن ، ولا التجارة بهن ، وثمنهن حرام } نعني الضوارب - القاسم ضعيف .
ومن طريق قال بن عمار : أنا صدقة بن خالد أنا الرحمن بن يزيد بن جابر أنا بن قيس الكلابي حدثني الرحمن بن غنم الأشعري [ قال ] حدثني أبو عامر - أو أبو مالك الأشعري - ووالله ما كذبني : أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { من أمتي قوم يستحلون الحر والحرير ، والخمر ، والمعازف } .
وهذا منقطع لم يتصل ما بين وصدقة بن خالد - ولا يصح في هذا الباب شيء أبدا ، وكل ما فيه فموضوع ، ووالله لو أسند جميعه أو واحد منه فأكثر من طريق الثقات إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ترددنا في الأخذ به . [ ص: 566 ] ولو كان ما في هذه الأخبار حقا من أنه لا يحل بيعهن لوجب أن يحد من وطئهن بالشراء ، وأن لا يلحق به ولده منها .
ثم ليس فيها تحريم ملكهن ، وقد تكون أشياء يحرم بيعها ويحل ملكها وتمليكها كالماء ، والهر ، والكلب - .
هذا كل ما حضرنا ذكره مما أضيف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وأما عمن دونه عليه السلام : فروينا من طريق أبي شيبة أنا بن إسماعيل عن حميد بن صخر عن الدهني عن بن جبير عن الصهباء عن مسعود في قول الله - تعالى - : { الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله } الآية ، فقال : الغناء ، والذي لا إله غيره .
ومن طريق عن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن عباس في هذه الآية ، قال : الغناء ، وشراء المغنية .
ومن طريق أبي شيبة أنا ابن فضيل عن عن بن جبير عن عباس في هذه الآية ، قال : الغناء ، ونحوه .
ومن طريق بن منصور أنا أبو عوانة عن الكريم الجزري عن أبي هاشم الكوفي عن عباس قال : الدف حرام ، والمعازف حرام : والمزمار حرام ، والكوبة حرام .
ومن طريق بن منصور أنا أبو عوانة عن بن أبي سليمان عن قال : الغناء ينبت النفاق في القلب .
ومن طريق بن منصور أنا أبو وكيع عن منصور عن قال : كان أصحابنا يأخذون بأفواه السكك يخرقون الدفوف .
ومن طريق أبي شيبة أنا عن سفيان عن بن أبي ثابت عن في قول الله - تعالى - : { الناس من يشتري لهو الحديث } قال : الغناء - وهو أيضا قول بن أبي ثابت [ ص: 567 ] ومن طريق أبي شيبة أنا بن سليمان عن بن أبي خالد عن عن عكرمة في هذه الآية ، قال : هو الغناء .
قال محمد : لا حجة في هذا كله لوجوه - : أحدها : أنه لا حجة لأحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم .
والثاني : أنه قد خالف غيرهم من الصحابة والتابعين .
والثالث : أن نص الآية يبطل احتجاجهم بها ; لأن فيها { الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين } وهذه صفة من فعلها كان كافرا ، بلا خلاف ، إذا اتخذ سبيل الله - تعالى - هزوا .
ولو أن اشترى مصحفا ليضل به عن سبيل الله ويتخذها هزوا لكان كافرا ، فهذا هو الذي ذم الله - تعالى - ، وما ذم قط - عز وجل - من اشترى لهو الحديث ليلتهي به ويروح نفسه ، لا ليضل عن سبيل الله - تعالى - ، فبطل تعلقهم بقول كل من ذكرنا .
وكذلك من عامدا عن الصلاة بقراءة القرآن ، أو بقراءة السنن ، أو بحديث يتحدث به ، أو ينظر في ماله ، أو بغناء ، أو بغير ذلك ، فهو فاسق ، عاص لله - تعالى - ، ومن لم يضيع شيئا من الفرائض اشتغالا بما ذكرنا فهو محسن .
واحتجوا فقالوا : الحق الغناء أم من غير الحق ، ولا سبيل إلى قسم ثالث ؟ فقالوا : وقد قال الله - عز وجل - : { بعد الحق إلا الضلال }
فجوابنا - وبالله - تعالى - التوفيق - : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى } فمن نوى باستماع الغناء عونا على معصية الله - تعالى - فهو فاسق ، وكذلك كل شيء غير الغناء ، ومن نوى به ترويح نفسه ليقوى بذلك على طاعة الله - عز وجل - وينشط نفسه بذلك على البر فهو مطيع محسن ، وفعله هذا من الحق ، ومن لم ينو طاعة ولا معصية ، فهو لغو معفو عنه كخروج الإنسان إلى بستانه متنزها ، وقعوده على باب داره متفرجا وصباغه ثوبه لازورديا أو أخضر أو غير ذلك ، ومد ساقه وقبضها وسائر أفعاله - فبطل كل ما شغبوا به بطلانا متيقنا - ولله - تعالى - الحمد ; وما نعلم لهم شبهة غير ما ذكرنا .
وأما الشطرنج : فروينا من طريق الملك بن حبيب حدثني عبد الملك بن الماجشون [ ص: 568 ] عن المغيرة عن بن كعب القرظي " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { لعب بالميسر - يعني النرد والشطرنج - ثم قام يصلي مثل الذي يتوضأ بالقيح ودم الخنزير ثم يصلي ، أفنقول : يقبل الله صلاته } ؟ .
هذا مرسل ، وعبد الملك ساقط ، وعبد الملك بن الماجشون ضعيف .
وهذا الخبر حجة على المالكيين ، والحنفيين ، القائلين بالمرسل ; لأنهم يلزمهم الأخذ به فينقضون بلعب الشطرنج ، فإن تركوه تناقضوا وتلاعبوا .
ومن طريق الملك بن حبيب أنا بن موسى ، بن معبد عن جريج عن حبة بن سلم : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { الشطرنج ملعونة ملعون من لعب بها ، والناظر إليها كآكل لحم الخنزير } . ابن حبيب لا شيء ، وأسد ضعيف ، وحبة بن سلم مجهول ، وهو منقطع .
ومن طريق ابن حبيب حدثنا الجذامي عن ابن أبي رواد عن أبيه " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { أشد الناس عذابا يوم القيامة صاحب الشاه الذي يقول : قتلته ، والله أهلكته ، والله استأصلته ، والله إفكا وزورا وكذبا على الله } . عبد الملك لا شيء ، وهو منقطع .
ورووا في ذلك عمن دون رسول الله صلى الله عليه وسلم ما روينا من طريق ابن حبيب عن أصبغ بن الفرج عن وهب عن يحيى بن أيوب عن قبيل عن بن عامر الجهني ، أنه قال : لأن أعبد وثنا من دون الله - تعالى - أحب إلي من أن ألعب بالشطرنج - هذا كذب بحت ومعاذ الله أن يقول صاحب إن عبادة الأوثان من دون الله - تعالى - يعدلها شيء من الذنوب ، فكيف أن يكون الكفر أخف منها ؟ ويحيى بن أيوب لا شيء - قبيل غير مذكور بالعدالة .
ومن طريق ابن حبيب عن بن معبد ، بن موسى عن رجالهما : أن بن أبي طالب مر برجال يلعبون بشطرنج فقال { هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون } [ ص: 569 ] لأن يمسك أحدكم جمرة حتى تطفى خير له من أن يمسها ، لولا أن تكون سنة لضربت بها وجوهكم - ثم أمر بهم فحبسوا .
هذا منقطع ، وفيه ابن حبيب - ما نعلم لهم شيئا غير ما ذكرنا .
والجواب عن قولهم أهو من الحق أم من الباطل ؟ كجوابنا في الغناء ولا فرق - وبالله - تعالى - التوفيق .
قال محمد : فلما لم يأت عن الله - تعالى - ، ولا عن رسوله صلى الله عليه وسلم تفصيل بتحريم شيء مما ذكرنا صح أنه كله حلال مطلق ، فكيف وقد روينا من طريق حدثني هارون بن سعيد الأيلي حدثني وهب أنا - هو ابن الحارث - أنا ابن شهاب حدثه عن بن الزبير عن أم المؤمنين { بكر دخل عليها وعندها جاريتان تغنيان وتضربان - ورسول الله صلى الله عليه وسلم مسجى بثوبه - فانتهرهما أبو بكر ، فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم وجهه وقال : دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد } .
وبه أيضا إلى بن الحارث أن محمد بن عبد الرحمن - هو أبو الأسود - حدثه عن بن الزبير عن أم المؤمنين " قالت : { علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث فاضطجع على الفراش وحول وجهه فدخل أبو بكر فانتهرني وقال لي : أمزمار الشيطان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : دعهما } .
فإن قيل : قد رويتم هذا الخبر من طريق أبي أسامة عن بن عروة عن أبيه عن وقال فيه : وليستا بمغنيتين ؟ قلنا : نعم ، ولكنها قد قالت : إنهما كانتا تغنيان ، فالغناء منهما قد صح ، وقولها " ليستا بمغنيتين " أي ليستا بمحسنتين .
وهذا كله لا حجة فيه ، إنما الحجة في إنكاره صلى الله عليه وسلم على أبي بكر قوله : أمزمار الشيطان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فصح أنه مباح مطلق ، لا كراهية فيه ، وأن من أنكره فقد أخطأ بلا شك . [ ص: 570 ] ومن طريق أبي داود أنا أحمد بن عبيد الغداني أنا بن مسلم أنا سعيد بن عبد العزيز عن بن موسى عن مولى ابن عمر قال : { عمر مزمارا فوضع أصبعيه في أذنيه ، ونأى عن الطريق وقال لي : يا هل تسمع شيئا ؟ قلت : لا ، فرفع أصبعيه من أذنيه وقال : كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم وسمع مثل هذا وصنع مثل هذا } .
قال محمد : هذه هي الحجة القاطعة بصحة هذه الأسانيد ، ولو كان المزمار حراما سماعه لما أباح عليه السلام لابن عمر سماعه ، ولو كان عند عمر حراما سماعه لما أباح لنافع سماعه ، ولأمر عليه السلام بكسره وبالسكوت عنه ، فما فعل عليه السلام شيئا من ذلك .
وإنما تجنب عليه السلام سماعه كتجنبه أكثر المباح من أكثر أمور الدنيا ، كتجنبه الأكل متكئا ، وأن يبيت عنده دينار أو درهم ، وأن يعلق الستر على سهوة في البيت والستر الموشى في بيت فقط - وبالله - تعالى - التوفيق .
ومن طريق مسلم بن الحجاج أنا زهير بن حرب أنا جرير عن بن عروة عن أبيه عن أم المؤمنين قالت : { حبش يزفنون في يوم عيد في المسجد فدعاني النبي صلى الله عليه وسلم حتى وضعت رأسي على منكبه فجعلت أنظر إلى لعبهم حتى كنت أنا التي انصرفت عن النظر } وروينا من طريق الثوري عن أبي إسحاق السبيعي عن عامر بن سعد البجلي أنه رأى أبا مسعود البدري ، وقرظة بن كعب ، وثابت بن يزيد - وهم في عرس وعندهم غناء - فقلت لهم : هذا وأنتم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فقالوا : { رخص لنا في في العرس ، على الميت من غير نوح } - ليس فيه النهي عن في غير العرس .
ومن طريق بن زيد أنا السختياني ، وهشام بن حسان ، وسلمة - هو ابن كهيل - دخل حديث بعضهم في حديث بعض ، كلهم عن بن سيرين أن رجلا قدم المدينة بجوار فأتى إلى الله بن جعفر فعرضهن عليه ، فأمر جارية منهن فأحدت ، قال أيوب : بالدف ، وقال هشام : بالعود ، حتى ظن عمر أنه قد نظر إلى ذلك ، فقال عمر : [ ص: 571 ] حسبك - سائر اليوم - من مزمور الشيطان ، فساومه ، ثم جاء الرجل إلى عمر فقال : يا عبد الرحمن إني غبنت بسبعمائة درهم ، فأتى عمر إلى الله بن جعفر فقال له : إنه غبن بسبعمائة درهم ، فأما أن تعطيها إياه ، وإما أن ترد عليه بيعه ، فقال : بل نعطيها إياه .
فهذا عمر قد سمع الغناء وسعى في بيع المغنية ، وهذه أسانيد صحيحة لا تلك الملفقات الموضوعة .
ومن طريق أنا بن مرزوق عن ميسرة النهدي قال : مر بن أبي طالب بقوم يلعبون بالشطرنج فقال : { هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون } فلم ينكر إلا التماثيل فقط - وهذا هو الصحيح عنه لا تلك الزيادة المكذوبة التي رواها من لا خير فيه .
فإن قيل : قد روى : { النكاح واضربوا عليه بالغربال } ؟ قلنا : هذا ساقط ; لأنه من طريق الملك بن حبيب عن عن السبيعي عن ربيعة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله - وعبد الملك ساقط ، والسبيعي مجهول ، ثم هو منقطع .
فإن قيل : الدف مجمع عليه ؟ قلنا : هذا الباطل - : وروينا من أصح طريق عن بن سعيد القطان أنا الثوري حدثني بن المعتمر عن إبراهيم النخعي : أن أصحاب مسعود كانوا يستقبلون الجواري في المدينة معهن الدفوف فيشققونها .
وقد جاء عن بن جبير ، بن سيرين : أنهما كانا يحسنان بالشطرنج - وعن سعيد بن عبد الرحمن بن عوف أنه كان يغني بالعود - ، وبالله - تعالى - التوفيق .